ابن تيمية

33

مجموعة الرسائل والمسائل

والمراد وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة ، وإلا فما لا يحتاج إليه الحي لا ينتفع به ولا يريده ، ولذلك إذا أراد به العقوبة والإضرار لا يكون إلا لنفرة وبغض ، وإلا فما لم يتألم به الحي أصلاً لا يكرهه ولا يدفعه ، وكذلك نفس نفع الغير وضرره هو في الحي متنافر من الحاجة ، فإن الواحد منا إنما يحن إلى غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة ، وإنما يضر غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة ، فإذا كان الذي يثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه لم يكن إثبات إحداهما ونفي الآخر أولى من العكس ، ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته من الإرادة وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق ، وحينئذ فالواجب إما نفي الجميع ولا سبيل إليه للعلم الضروري بوجود نفع الخلق والإحسان إليهم وإن ذلك يستلزم الإرادة ، وإما إثبات الجميع كما جاءت به النصوص ، وحينئذ فمن توهم ( 1 ) أنه يلزم من ذلك محذور أو أحد الأمرين لازم : إما أن ذلك المحذور لا يلزم أو أنه إن لزم فليس بمحذور . الجواب الثاني : أن الذي يعلم قطعاً هو أن الله قديم واجب الوجود كامل ، وأنه لا يجوز عليه الحدوث ولا الإمكان ولا النقص ، لكن كون هذه الأمور التي جاءت بها النصوص مستلزمة للحدوث والإمكان أو النقص هو موضع النظر ، فإن الله غني واجب بنفسه ، وقد عرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا إمكانه ولا حاجته . وإن قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله مفتقر إلى ذاته ، ومعلوم أنه غني بنفسه ، وأنه واجب الوجود بنفسه ، وأنه موجود بنفسه ، فتوهم حاجة نفسه إلى نفسه ، إن عني به أن ذاته لا تقوم إلا بذاته فهذا حق ، فإن الله غني عن العالمين وعن خلقه ، وهو غني بنفسه .

--> ( 1 ) ينظر أين خبر هذا المبتدأ ؟ وأما المراد فظاهر وهو أن يقال لمن يتوهم ما ذكر أن اللازم هو أحد الأرين الذين ذكرهما وملخصهما أنه لا يلزم من ذلك شيء أو يلزم شيء ليس بمحدود